تقرير .. في اول زيارة بعد تفجيري الكنيستين بابا الفاتيكان من مصر: لا للعنف والثأر والكراهية باسم الدين أو باسم اللهواشنطن: العلاقات الروسية الأمريكية في دوامة تحتم علينا الخروج منهارئيس وزراء اليابان يتعهد بالعمل مع بريطانيا لمواجهة التحديات الإقليميةرئيس وزراء المجر: الانتهاء من جدار ثان بهدف إبعاد المهاجرينروسيا تعلّق على قرار ضم (الجبل الأسود) إلى الناتوبنغلاديش .. عملية انتحاريةالصين .. اعتذار رسميالمانيا .. حظر البرقعامريكا .. دعوة مشاركةترامب يتجاهل اقتراح رئيسة تايوان إجراء اتصال هاتفي آخرأردوغان يقاضي مقدّم برامج ألماني سخر منهانتهاء أزمة انتخابات الأندية باتفاق رسميوديتان بين لبنان والعراق في كرة الصالاتاتحاد الطائرة يستدعي 17 لاعباً لتمثيل المنتخب الوطنيلا أجنبي ولا هم يحزنونعصام حمد :استحقينا الفوزعادل ناصر: الأخطاء الفردية قتلت أفضليتنافي دورينا الزوراء يصالح جماهيره من بوابة نفط الجنوب .. والصقور تتفوق على نفط الوسطمستورد ما باليد حيلة .. العراق يفقد رصيده الزراعيمربو الدواجن يشكون غياب الدور الحكومي لتوفير اللقاحات


نخلةُ الماءِ .. فسيلة شوشة التي غرسها قبل الرحيل  
عدد القراءات: 483        المؤلف: عاطف محمد عبد المجيد        تاريخ النشر: الخميس 12-01-2017  
عاطف محمد عبد المجيد
على غير عادته كتب الشاعر الراحل فاروق شوشة مفتتحًا لديوانه الأخير، والذي صدر حديثًا وعقب رحيله عن الدار المصرية اللبنانية، وعَنْونه بـ " نخلة الماء "، وأضافت الدار إلى العنوان: الديوان الأخير.كتب شوشة مفتتحًا لهذا الديوان لإحساسه، مثلما يقول، أن مجموعة هذه القصائد الجديدة ليست كسابقاتها، لغةً أو صياغات أو همومًا إنسانية أو شعرية.في قصائد  نخلة الماء تخلّصَ الشاعر من عباءة شعرية آن أوان خلعها واستبدل بها: حريةً أكبر، وآفاقًا أرحب، ولغةً أكثر يُسرًا وبساطة، وأنفاسًا أكثر جِدّةً وحرارة.
البحر والمأوى  ست عشرة قصيدة تُكوّن ديوان شوشة الأخير نخلة الماء، يُبحر فيها ممتطيًا جواده الشعري، متسلحًا بلغة رائقة، وصور ماتعة، وصياغة شعرية تنم عن امتلاك جيد للأدوات الشعرية، وفكر شعري يشي بخبرة الشاعر الكبيرة على درب الشعر.
في قصيدته نخلة الماء، نجد إحساسًا بالعزلة، وحنينًا إلى زمن آخر غير الذي نحياه الآن: " هذه النخلة الوحيدة في الماء
استظلت بشاطئ من رمال أتراها تحنّ للزمن الخالي؟ "
غير أن هذه النخلة قد رضيت بعزلتها بعد أن أيقنت أنها لن تصلح لحياة أخرى، بين كائنات أحالت الحياة إلى جحيم لا يطاق:
" هي في الماء طوال الوقت
لا تخرج منه
ولا تضيق بحال
رضيت بالرمال والبحر والمأوى".
ولأن الأشجار تدل على السموّ والسموق مع امتداد وصلابة الجذور، مما يشير إلى ثقة الشاعر في مكانته الشعرية وما وصل إليه شعريّا، فقد تكررت كثيرًا مفردات من حقل الأشجار منها: النخلة، نخلة الماء، النخيل، السِّدْر، أشجار سرْو، وغيرها.
أما في قصيدته " النهر " فيصور شوشة حالةَ مَنْ يسبح ضد التيار، وتصادفه عقبات شتى ورياح عاتية لا همَّ لها سوى الفتْك به، لكنه برغم ذلك يُفلح في الصمود والثبات حتى يصل إلى شاطئه الذي ابتغاه:
" ها أنت تشقّ الماء
في عكس اتجاه الريح والتيار
مختالا على صدر الزمان ".
امرأة لا تنجب القصيدة
ولأن الشعر يفُجّر تساؤلات عديدة، فقد حفلت معظم قصائد نخلة الماء بأسئلة وضعها الشاعر أمام المتلقي بغية البحث عن إجابة لها.في قصيدته " كيف يقرأونك " يتساءل شوشة عن الطريقة التي يقرأ بها المتلقي شعره المثير، وكيف تستوقفه قصائد النساء في ديوانه المليء بالأحوال والآهات والأشواق والوقائع الجسام.إنه مندهش من الظن بأن القصيدة لابد أن تكون وراءها امرأة، ثم يسأل نفسه ماذا يقول هو لامرأة لا تنجب القصيدة ولا تثير فيه شهوة الكلام ولا تحرك الشعور عاصفًا وضاغطًا في قلب مستهام.هنا يطلب الشاعر ممن لا يعرفون كيف يقرأون ألا يَعْبروا فوق الحروف كالنعام، وألا يشغلوا رؤوسهم بما يرومه الشاعر أو ما لا يُرام.
في نخلة الماء كذلك نجد شوشة وهو ينتقد الحال التي نحياها ويسودها الطغيان والتسلط والجور الذي يمارسه بعضنا ضد بعض:
" ما العلة أن الناس يجورون
على ما يملكه الناس
شعورًا
أو حرمات
أو أرزاقًا
أو فيْء مظلة ؟ "
لقد صارت الدنيا، كما يجسّدها، أضيق من خاتم ماس، أو حتى دبلة في إصبع غانية تتزين في ساحات اللهو وتستهوي أنظار الجوعى:
" لن يتسع مداك لغير خطاك
ولن يتجاوز حدًّا رسمته السّفلة ".
رفاق العمر
في قصيدته " ناري ومائي " يصور شوشة حياة الشاعر الذي ظل العمر وحيدًا متشبثًا بمبادئه، ومناديًا إلى مدينة فاضلة يسودها العدل وترفرف عليها المساواة، لكنه لم يعش هذا، بل انداس أسفل واقع مغاير تمامًا لهذا الحلم / الأمنية المُبتغاة:
" وحيدًا مضيتُ
طريقي طويل
وظلمته تتكاثف
رعب يداهمني
وأصداء خوف قديم جديد ".
في قصيدة أخرى ينادي الشاعر رفاقه إلى التحلي بالطهر وبالتسامح مع الآخرين، غافرًا لهم ما جنوه في حقه وما ادّعوه ظلمًا وبهتانًا:
" طهّر قلوب البعض من ضغائن الزمن
واغفر لهم ما أسلفوا من الإحن
وما ادّعوا من تُرّهات
كلها هباءْ
وارفع قضاياك إلى مدبر القضاءْ ".
كذلك يصف شوشة في قصيدته " قبل مرور الوقت " حالة الشخص المنتفخ غرورًا مُعطيًا لنفسه ما ليس لها، وواضعًا إياها في مكانة هي أدنى منها بكثير:
" هل تدرك أنك أصغر من حبة قمح
توشك أن تذرها الريح
ويلقطها طير عابر
كم كنت تظن بأنك وتد الأرض
ومصباح الأكوان
وذاكرة الأحياء
وناقوس الموتى ؟ "
رحيل
شوشة الذي ودّع الجميع قبل أن يرى خروج ديوانه الأخير نخلة الماء للنور، يودّع هنا شقيقه فخري، وصديقه جوزيف حرب في آخر قصيدتين في الديوان وهما: مذاق جديد للموت، وجوزيف حرب، وهي القصيدة الوحيد في الديوان التي بدأها شوشة تفعيليًّا ثم انتقل إلى الشعر الخليليّ:
" كفكف دموعك، لن تفيد الأنهرُ
إن الذي تُبكيه لن يتكررُ
كم صغت في الشعراء لحن وداعهم
والآن إذ يبكون أنت الأشعرُ
يا شيخ هذا الغيم يا عكازه
يا أيها القلم الذي لا يقهرُ
علمتنا الغضب النبيل فأخصبت
أرض بشعرك دائمًا تتفجرُ ".
ونهاية، بعد أن طفنا حول نخلة الماء تتبعنا المتعة الشعرية، والعالم الشعري الخاص بشاعر كبير قضى سنين حياته خادمًا للقصيدة، يمكننا أن نقول إن ديوان نخلة الماء هو الفسيلة التي غرسها فاروق شوشة قبل رحيله، لتنمو في حديقته بجوار ما غرسه قبلها من أشجار سامقة في أرض الشعر، لتخلد اسمه في ديوان الشعر العربي، بعد أن اجتهد وسعى لاهثًا وراء كتابة قصيدة مكتملة، وهذا ما قد يصل إليه النقاد بعد قراءة واعية وحيادية لمجمل أعماله وإبداعاته التي تركها ورحل في هدوء.

تم تصميم الموقع من قبل شركة الوصول لتكنلوجيا المعلومات