تقرير .. في تونس .. حراك شعبي للمطالبة بالتنمية والتشغيل وحراك للحكومة باتجاه الجوارماكرون والمَاكِرُون و"صفقة" أوربا الجديدةميركل: يمكن للاجئين سد نقص العمالة المتخصصةحزب العمال البريطاني يتعهد بالتخلي عن خطة ماي للخروج من الاتحاد الأوربيلافروف: يجب تشديد إجراءات تأمين المراقبين الدوليين في أوكرانياالفلبين .. عملية برية جويةافغانستان .. مقتل جنودفرنسا .. اصابة مهاجرينامريكا .. وصول شبحينترامب يدعو الأمم المتحدة الى فرض عقوبات جديدة على كوريا الشماليةبوتين يستقبل آبي اليوم الخميس لبحث التعاون الثنائي وأبرز القضايا الدوليةمركز لالش الثقافي والاجتماعي-فرع المانياالاردن تزود كوردستان بـ15 طنا من الادوية والمستلزمات الطبيةأمريكا تعبر عن قلقها الشديد إزاء ضربات جوية تركية على مقاتلين كوردوزارة البيشمركة: قصف جبل سنجار مرفوض ونجدد دعوتنا للـ PKK بترك المنطقة والكف عن إلحاق الضرر بالمواطنينامريكا تجهز لواءين من البيشمركة بالاسلحةفي واشنطن، فلاح مصطفى يدعو إلى إستمرار المساعدات والدعم الامريكي لإقليم كوردستانالحزب الديمقراطي: فرض العمال الكوردستاني وجوده في سنجار عديم الجدوىمسرور بارزاني: يجب ان لايزايد اي طرف على اعادة تفعيل البرلمانرئيس حكومة اقليم كوردستان يستقبل القنصل الاردني مع وفد طبي رفيع


عراقية الهوى والمولد .. بريطانية الاصل .. رحلة في ذاكرة الفنانة العراقية البريطانية الاصل امل بورتر  
عدد القراءات: 2029        المؤلف: توفيق التميمي        تاريخ النشر: الخميس 12-01-2017  




اعداد وتحرير : توفيق التميمي   /  القســـــم الثالث
ليلة 14 تموز وحلم الثورة
تستذكر امل ليلة قيام ثورة 14 تموز (انتهت السنة الاولى  من دراستي في معهد الفنون وخلال العطلة الصيفية كما كل سنوات وجودي في بغداد كنت  اهرع الى كركوك خلال العطلة الصيفية، وكل عام  كانت كركوك تبتعد عني خطوات قصيرة متباعدة ، و عندما ازورها كنت اجد تغييراً كبيرا في المجتمع والمدينة التي اعرفها ولكنني مازلت بنت كركوك، وخلال تلك العطلة الصيفية قامت ثورة  14تموز،  كانت فرحتي لاتوصف بنبأ نجاح الثورة فانا واختي التي تكبرني قمنا بتزويق بيت اختنا غير الشقيقة الكبيرة بباقات الزهور، وكنا  قرب الراديو طوال اليوم ، بحماس نستمع لما يصدر  من قرارات وبيانات..




كنا نامل ان الخير والرخاء والمساواة والعدالة ستسود خلال المستقبل القادم ، والعراق سيصبح مساحة وردية وزرقاء جميلة مليئة بالخير والعطاء والتقدم، وكان علينا العودة بسرعة  من كركوك الى بغداد بعد ان الغي منع التجوال،لاننا كنا نريد مشاهدة الاحداث في التلفزيون ببيتنا، فحجزنا القطار ولم نستطع الحصول على كابينة مكيفة وكانت ترافقنا في تلك الرحلة احدى خالاتنا ، وفي ايام تموز كانت الحرارة لا تحتمل قضينا نحو عشر ساعات ونحن نحاول ان نخفف من الحر بشرب الماء المثلج، والنوم وملابسنا مبللة بماء الثلج، وصلنا بغداد الى البيت والكل متجهم، فارقتهم فرحة النصر بالثورة واشمازت نفوسهم لما صاحب  لحظات الثورة الاولى من اعمال عنف دموية فلم يتوقع احد ان تأخذ الثورة هذا المنحى الدموي، في محيط العائلة كان هناك سكوت تام مغلف بعدم الرضا عن الوضع في العهد الملكي  كما اسلفت ولكن النهاية الدموية  للعائلة الملكية ولاسيما النساء منها ارعبت الجميع وفرضت السكوت الرهيب عليهم وغياب الحماس ، حيث كانت في ايام الملكية   نشاطات مدنية اجتماعية ترفيهية برغم محدوديتها، و مشروع دولة ونظام برغم انه مهزوز وغير متكامل به الكثير من العثرات، والتجاوزات وبرلمانه لم يكن دائما نظيفا نقيا ولكن هناك دولة وحكومة تسقط وتتشكل حكومة اخرى بديلة والدولة باقية، و اغلب اعضاءالبرلمان كان يطلق عليهم بـ (الموافج) اي الاتفاق مسبقا قبل التصويت، وكانت منلوجات عزيز علي الانتقادية تذاع من اذاعة بغداد، الا ان الطموح كان ان تلغى الاحكام العرفية التي كانت تعلن باستمرار وان  تتم الاصلاحات بتواتر اسرع  واعم، ولكن هذا  التطور المنشود لم يحدث والحرية السياسية كانت محدودة او شبه معدومة والفقر والجهل والامراض  ظلت متفشية، ربما كان الطموح اكبر مما يمكن ان يتم على ارض الواقع،وعدم الاخذ في الحسبان التخلف الاجتماعي والسيطرة العشائرية والالتزام الديني الذي يحركه ويسيطر عليه  بعض رجال الدين المنتفعين من  الذين لا حياد لهم ولا تفضيل للمصالح العامة على مصالحهم السلطوية الدينية، ولا ننسى البعد الاقليمي وقضية فلسطين الابدية والحرب الباردة وحرب السويس والتدخل البريطاني في كل مجريات الدول العربية وكذلك  بدايات سطوع  هيمنةالنفوذ الاميركي، كلها كانت تساعد على غليان الشارع وتزيد من هيجاناته الشعبية . برغم ان مجلس الاعمار والبرنامج الاميركي للنقطة الرابعة المعروف اسهم في تغيير وجه بغداد عمرانيا حيث ظهرت جسور ومنشآت عمرانية ومستشفيات، وشجعت الاستثمارات  المحلية والاجنبية وتطوير بعض البنى التحتية  الا ان سير هذا المنحى كان بطيئا جدا ولم يرض الطموح.) من مذكرات امل بتحرير المحرر).
ضياع الثورة
وعن ضياع الحلم بثورة تموز الاولى ومصيرها تقول امل بورتر (قبيل انتهاء السنة الاولى  للثورة  ظهرت الانشقاقات والتباين  الحاد في الافكار، لم اقتنع بكثير مما كان يدور في المحيط الذي كنت اود ان ابقى ضمنه ،اذ كثرت الاحتفالات والمهرجانات ومما سبب الانقطاع عن العمل او الدوام في مرافق الدولة او القطاع الخاص ،واعتقد كانت موجهة لملاء الشارع واستعراض القوة الجماهيرية فقط ،الاانها ولدت رد فعل معاكس اذ قل الانتاج وظهرت حالات من التسيب،ولكنني بقيت اطمح وآمل ان يكون الهم السياسي ضمن مضمون الهم الوطني وان يتغلب الفكر الديمقراطي وليس الحزبي او العقائدي او التوجه الاقليمي و الانفراد بالسلطة.الا  ان الصور اللماعة البراقة بدات تعتم وتغطيها ضبابية وتشوهها ،وبحلول السنة الثالثة في المعهد سنة التخرج، قررت بعد  ان انهي دراستي ان اهرب بعيدا عن تلك الفوضى غير الخلاقة، اذ حينها فقدت الامل بالتغيير واضمحل الطموح،ليس في  نوايا السلطة فقط ولكن في الشارع والجماهير  والافراد ايضا، اذ وجدت ان هناك تذبذبا في المواقف والاتجاهات  وانحيازات وتوجهات انتهازية ونفعية،وكثيرا ما كانت مصحوبة بالعنف من كل الجهات المتضادة والمتصارعة ، فتاوى رجال الدين تحرم  وتكفر الانضمام الى مدارس محو الامية او القبول بفكرة الاصلاح الزراعي او قبول قانون الاحوال الشخصية اهم منجز لثورة 14 تموز، وتدعو علنا الى القتل ، حملات التسقيط والتخوين ازدادت وعمت واستعملت افحش الاوصاف  للمخالف في الرأي، تبعثرت المطالب  التي لم تؤسس لفكر او نظام برلماني واضح وسيطرة الايديولوجية العسكرية على الكثير من مرافق الدولة وذلك بتعيين رجال الجيش في كثير من المرافق المدنية، هشاشة الفكرالمطروح من كل الجهات المتصارعة ، اعتداء  قتل ومضايقات وشجار وعراك وصحافة رخيصة، هذه اخذت تطفو على السطح بقوة وكثرة وانتجت جوا مشحونا بالكره والانتقام .
اغتيال الفرحة الاولى
ضاعت تلك الايام الجميلة لاول ايام تموز ولن انسى اول مهرجان احتفالي بيوم السادس من كانون عيد الجيش فلقد سهرت بغداد برغم البرد الشديد حتى الفجر والكل واعني الكل(نساء ورجالا.. شبابا وشابات ) كان يرقص و يغني ويصافح الواحد الاخر بحرارة ونحن الفتيات لم نشعر بمضايقة الجنس الاخر لنا والتي كانت شائعة كثيرا جدا قبل الثورة، كانت الاشهر الاولى لثورة تموز زاهية جميلة احتضنت النشاطات الفنية والثقافية وازدهر المسرح بشكل عام، المناسبات الثقافية تعددت ،كان الجواهري دائم الحضور في كل مكان ومناسبة ويضفي البعد الشاعري القوي علينا كلنا ،خلال اعياد الميلاد ابواب بيوتنا  في عرصات الهندية تبقى مفتوحة طوال الليل نستقبل الجميع غرباء او اصدقاء ونقدم لهم الحلوى والمعجنات( الكليجة) ،المحبة كانت واضحة فيما نريد وما نتمنى تحقيقه، ولكن ليس بالمحبة وحدها يحيا الانسان. صدور القوانين لا يعني بالضرورة تطبيقها  فاحيانا تشرع قوانين لاغراض دعائية من دون التقدم خطوة واقعية ملموسة لخلق المناخات التي تفرض تطبيقها وهذا ما كان يحصل  والامية والجهل والمصالح الضيقة كانت اقوى.
محكمة المهداوي
شعرت  بوضوح بان هناك وحشية مخيفة قابعة وكامنة في النفوس تريد ان تنفجر وتظهر، وهذا ما حدث اول يوم تموز وايضا خلال محكمة الثورة المعروفة بمحكمة المهداوي ، التي كنت ارفضها تماما واقولها بصراحة واخشى ان ابوح بذلك الا داخل البيت، اذ كان لنا  في بيتنا وهذا يعتبر نادرا في تلك الايام تلفزيون وتنقل  جلسات  المحكمة مباشرة فكنت اغلق التلفزيون وارفض ان اشاهد  مهازل المحكمة  ، و عندما بدا هناك توجه يشجع الطلاب او الناس على حضور جلساتها ،رفضت ذلك رفضا باتا وبقيت اتتبع الهفوات اللفظية التي كان يقع فيها المهداوي والتي كنت اسمعها  ضمن عملي في محطة اذاعة بغداد. لا اريد تخطي وقفات معينة وقفتها طوعا او غصبا، قبل الانتقال الى سنوات عصيبة لابد من الانعطاف عليها. منها عملي في الاذاعة العراقية وسفري الى موسكو وزواج اختي الشقيقة التي تكبرني والدعوة من قبل عمادة معهد الفنون الجميلة الى كل من يجيد العزف على الة موسيقة كبادرة نواة للفرقة السمفونية. ) من المذكرات السابقة.
شباط الملطخ بالدم
اي صور وذكريات تستذكرها امل حتى بلوغ النهار المشؤوم للثامن من شباط 1963؟ كيف سترسم الرسامة الموهوبة هذا المشهد من الرعب والخوف الذي هيمن على الشوارع والارواح في بغداد وبقية مدن العراق جراء غزو المغول البعثي للحرس القومي ؟ ؟ما الذي ستدونه في يومياتها عن تلك الايام العصيبة ؟(بعد تخرجي  في معهد الفنون تقدمت للالتحاق ببعثة للدراسة وتم قبولي في الصين ، كانت فرحتي لا توصف، وكثير من زملائي الطلبة اعتقدوا انني حصلت عليها لانني من اتحاد الطلبة العام  بصفتي شيوعية ولكنني اؤكد عكس ذلك تماما، فكثير من موظفي دائرة البعثات حاولوا عرقلة طلبي لانني كنت محسوبة على جهة لم ترق لهم، كما ان درجات تخرجي كانت عالية وكنت متفوقة ولا انكر انه كان هناك زملاء متفوقون ايضا ،ولكن اكثرهم فضل الوظيفة لحاجتهم المادية فضلا على انه في تاريخ البعثات لم تقدم اية فتاة لطلب البعثة والسفر الى خارج العراق للدراسة في مجال الفنون، لذا مديرية البعثات كانت تشجع الفتيات للالتحاق بالبعثات، فاهتمت دائرة البعثات  بطلبي كثيرا و انا شجعت زميلتي ليلى البازي على التقدم وفعلا تقدمت وقبلت برغم ان معدلات تخرجها لم تكن عالية جدا، الا انها طالبة مثابرة وكانت تريد السفر ، وبعد اشهر وقبل سفري تغيرت  وجهة البعثة وحولت انا الى الاتحاد السوفيتي وليلى الى جيكوسلفاكيا، واعتقد لحسن حظي تركت العراق  في تلك المرحلة الحرجة  من تاريخ العراق  الجمهوري فلقد كنت اتوقع هذا الانهيار واشير الى احتمال ما سيحدث الا انني كنت اجابه بتسخيف ما اقول، و يقولون لي ان الزعيم قوي جدا  والشعب يعبده ولن يستطيع احد ازاحته، ولكن تشاؤمي كان في محله ، ونحن في موسكو وتوقيت موسكو هو نفس توقيت بغداد واتذكر رنة الهاتف صباحا وكانت الشاعرة وفية ابو اقلام تخبرني بما حدث وهي تصرخ وتقول باللهجة البغدادية الدارجة المحببة لنفسي ( اللي كلتيه صار ولج صار اللي كلتيه) وحرم علي العودة الى العراق ، ،فلقد كتبت الصحف عن نشاطي في اتحاد الطلبة واتهمتني بما اتهمت الشعب كله بالفوضوية والشيوعية. ولم استطع تجديد جواز سفري العراقي، ربما ارادت الاقدار ان ترحمني ولم اكن في العراق فما سمعته بعد عودتي كان مرعبا رهيبا. هل سارسم تلك المجازر طبعا لا ، لن ارسمها لانني  لم اعشها في وقتها ولكنني عشت بعدها مجازر مستمرة في الحروب ومشاهد المعركة و مواكب النعوش  التي ملأت شوارع بغداد  والعراق، وكل الارهاب الذي عشته مع زوجي وايام سجنه في سجن ابو غريب والتضييق الشديد على الانفاس. ) من مذكرات امل بتحرير المحرر.
في شركة الاعلانات
في حقبة الستينيات عملت امل بورتر وزوجها يوسف جرجس حمد المسلم في شركة للاعلانات انتجت افلاما كثيرة لشركات عراقية وقدمت فوزية عارف كنجمة اعلانات جيدة وخليل الرفاعي وغيرهما، كذلك كانت تصاحب الاعلانات اغان ومقدمات كتبها ولحنها افضل كتاب الاغاني والملحنين منهم سيف الدين ولائي واحمد الخليل وغيرهم، ومن الممثلين الاعزاء الذين رفضوا العمل بالاعلانات كان الزميل العزيز الفنان الرائع حمودي الحارثي، اذ كان المنحى حينها ان الاعلانات فن هابط ولا ينبغي على الممثل الجاد ان يظهر في اي اعلان، كان مكتبهم في مفرق الكرادة قرب تمثال كهرمانة ، واصبح المكتب ملتقى لنخبة من الفنانين والكتاب والمسرحيين.
أيام في المتحف العراقي
عملت  امل بورتر ايضا في المتحف العراقي مع نخبة من افضل ما تكون( كنا ضمن فريق عمل نهيئ المتحف للافتتاح الرسمي ،اعمارنا متقاربة يجمعنا حب العراق وتاريخه وكل اثر صغير في المتحف. طموحنا اكبر منا ولم نتوقع ان يحد او يتحول مساره باتجاه بوصلة عاطلة و منحرفة. بعد افتتاح المتحف عملت في قسم النشر وكانت تجربة حية مهمة جدا، وكان المدير العام  وقتها الدكتور فيصل الوائلي ورئيس التحريات والتنقيبات العلامة الذي نهلت من معارفه الكثير الاستاذ فؤاد سفر -رحمه الله وطيب ذكراه- والعالم المتواضع الجليل الاستاذ محمد علي مصطفى الذي ارتبطنا بعلاقة طالب باستاذه زوجي وانا، وكان لنا خير استاذ ومعلم وصديق. .كانت هناك اسماء لامعة في عالم الاثار منها الدكتور فرج بصمه جي وطارق مظلوم ولمياء  الكيلاني ونجيب كيسو وبهنام ابو الصوف.) من مذكرات امل.
سرقة القلادة السومرية
صادف في عمل امل بورتر في المتحف العراق ان زارت زوجة القذافي العراق ،حينها جاء وفد عسكري من القصر الجمهوري يطلب أخذ القلادة السومرية من خزانتها في المتحف  لكي تلبسها زوجة صدام حسين عند لقائها زوجة القذافي وتعتقد امل بان القلادة السومرية لم ترجع لخزانتها حتى خروجها من المتحف والعراق.
وحوش الحرس القومي يعودون عام 1968
اما ذكرى انقلاب البعثيين الثاني تموز 1968 فلها طعم المرارة والرعب في ذاكرة امل بورتر ( فجأة حدث الزلزال سنة ثمان وستين فعاد البعث بقوة ووحشية، مغلفا بالخداع والحيلة دعا  ببداية نجاح انقلابهم الى اعادة المفصولين، وتطبيق العدالة ،لم تدم تلك الخديعة طويلا، بدأت انياب الوحش تظهر بكل صفاتها وممارساتها وتطبيقاتها الخبيثة ، اخذت تتسلل كحمم البراكين لتقتل كل اخضرار كان سينمو ويخضر. حلت علينا لعنة البعث المجرم، منع مكتبنا  للاعلان من ضمن حملة للسيطرة على وسائل الدعاية والاعلان  واحتكارها فمنعنا من الاستمرار في العمل  ،كان علينا استحصال موافقات واجازة بالعمل من  مديرية الامن العامة وموافقة اخرى من المخابرات، منحت بعض المكاتب اجازات الا نحن،  من المكاتب التي تم منحها مكتب ابراهيم الدايني ،مال الله الخشاب ،كاظم العطري وغيرهم. بذلك قطع علينا دخل  ومورد جيد، هكذا اخذ اخطبوط البعث يضيق الخناق على كل من يستشف بانه لن يتعاون او يكون آلة بيد البعث, وبالوقت نفسه منح بسخاء كل ما يطمح له، وربما اكثر من الطموح من يتعاون معه باي شكل من الاشكال و حتى لو حصل على ادنى العطاء .
اخذت المبادئ تتداعى والاسماء تتهاوى في حضن البعث الدافئ المعطاء لقاء بيع الذات  لنيل امتيازات وفرص حتى وان لم تكن كبيرة او رخيصة ، هذه كانت اصعب مرحلة لنا، فلقد قررنا عدم التعاون ورفض الفرص الكبيرة المتاحة امامنا، اذ وجدناها في منتهى الوضاعة، فلم تكن اكثر من بيع الفكر والمبدأ لقاء امتيازات مادية او معنوية، كلها  تتركز على الانانية وحب الذات وتفضيلهما على كل ما هو للنفع العام او وفقا للمبادئ الانسانية التي تدعو الى الخير للجميع سواسية بغض النظر عن كل تميز باي شكل او صيغة كان. برغم ان اغلب الاصدقاء الاقرباء الذين مشينا معهم مشوارنا الطويل والجميل" احيانا من ايام الطفولة والدراسة والصبا" الى ان تحملنا المسؤولية واصبحت لنا  مهنة وعائلة وفكرة ومبدأ ،مواقفنا اغلبها كانت مشتركة تغلفها روح الصدق والصداقة والاخوة والتضامن والدعم والتشجيع، وبقيت هذه المعطيات  في وجداننا هي النبراس الذي يضيئ حياتنا ويجعل لها مغزى ومعنى وهدفا للتواصل والعمل وتبادل الاراء والخبرات، في وطن يكاد بالكاد ان يوفي مواطنيه حقهم وحقه هو ككيان، وان يضيئ للعالم من حوله كما اضاء في تاريخه الطويل مسار القوانين والعلم والمعرفة.
وطن ومواطن  رزح تحت نير التخلف والجهل لقرون طويلة شوهت فيها مساراته كلها وشملت العتمة دروبه، واختلطت الرؤية على ناسه، كان الحلم ان نكون نحن بتكاتفنا الفانوس او الشمعة التي تنير الدرب. الا ان كل ذلك كان مجرد حلم انقلب الى كابوس، اغلب من شاركنا طموحاتنا تلك انقلب ضد نفسه وتنكر لها ، وارتمى على  موائد  البعث التي  لو وزعت بين الوطن لامتلأ خيرا وعافية، الا ان تلك الموائد العامرة اعدت لصناعة المجد والمنافع الشخصية للبعث ومتملقيه ، لقاء بيع الضمير وتمجيد الطاغية والسير في ركابه، لكن هناك من رفض ودفع حياته ثمنا للرفض وهذه خسارات قاسى منها الوطن.

تم تصميم الموقع من قبل شركة الوصول لتكنلوجيا المعلومات