العراق الاتحادي في المرتبة 87 بمؤشر الجوع العالميالمئات من منتسبي البتروكيمياويات في البصرة يتظاهرون ضد امانة مجلس الوزراء الاتحاديجون ماكين: الكورد شريك قديم ومحل اهتمام للولايات المتحدة الامريكيةالتحالف الدولي معلقاً على معركة كركوك: نحث الجانبين على تجنب التصعيدالسفارة الأمريكية في بغداد: ندعو جميع الأطراف إلى وقف العمل العسكري فوراً واستعادة الهدوءمحلل امني مقرب من حكومة بغداد: ماحدث بكركوك تم بالتنسيق بين بافل طالباني وقاسم سليمانيترامب: لا نحبذ نشوب صراع بين الكورد والحكومـــة الاتحــاديةوزارة البيشمركة تحمل القوات الاتحادية والحشد الشعبي مسؤولية الأحداث في كركوكممثلة حكومة كوردستان في واشنطن: برغم القتال لسنا في نقطة اللارجعةتقرير .. انقسام جديد يهدد السوق العقارية البريطانيةالاتحاد الأوربي يفرض عقوبات جديدة على بيونغ يانغماي في بروكسل لتحريك مفاوضات (بريكست)بيونغ يانغ: لا تفاوض على تفكيك ترسانتنا النووية في ظل (العداء) الأمريكيتيلرسون ينفي تعرضه (لإخصاء علني) من ترامب!افغانستان .. سيارة مفخخةكينا .. مقتل 33 شخصاًالبرتغال .. حرائق الغاباتلندن .. عملية طعنترامب: لم يكن هناك أي تواطؤ مع روسيا في حملتي الانتخابيةبوتين يوقع مرسوما بشأن فرض عقوبات على كوريا الشمالية


القاضي العادل والوزير النزيه سيرة حياة .. اول وزير للعدل في العهد الجمهوري الاول مصطفى علي  
عدد القراءات: 1009        المؤلف: توفيق التميمي        تاريخ النشر: الخميس 08-12-2016  
اعداد وتحرير : توفيق التميمي  /  القســـــم الثاني
نهجه في الوظيفة والاستقالة
كان مصطفى  مسرورا بتكليفه باداء مهمته الوزارية  لانه لم يطلب منصبه ولم يسع اليه بل بالعكس كان يفهم الوظيفة الرسمية على انها فرصة لترجمة أفكاره في العدالة وتحقيقا لمبادئه الصارمة وان غابت هذه القيم، او تعثرت السبل لتحقيق هذه المبادئ ،، فالاستقالة هي اقرب الطرق  السالكة لامثاله للتحرر من المنصب الذي يصبح مازقا او ورطة لصاحب سيرة وطنية مثله كما يصف الاجواء التي احاطت العمل الوزاري المدني ابان تلك المرحلة ...


(ان الروح العسكرية المتمثلة بعنجهية القادة وبموظفي الادارة وبالمجالس العرفية وبانانية زعيمهم حكمتهم على ان يفكروا في اخضاع القضاء لمشيئتهم ويتلاعبوا به فاصطدموا بصخرة صلدة وقفت في وجوههم وحالت دون ظفرهم بما كانوا يبتغون ،لقد وقفت للدفاع عن القضاء موقفا صلبا جدا لم يدع لهم منفذا يخلومن منها اليه .حتى  ان غضب عبدالكريم قاسم على محكمة التمييز لانها حكمت بما لم يرض به كان من اسباب استقالتي من الوزارة ) من مذكرات مصطفى علي المخطوطة.
الاستقالة
عقب استفحال الصراع الحزبي وسط الشارع العراقي  بعد مضي عامين على ثورة 14 تموز ، وانعكاس اثاره المدمرة على انجازات الثورة ...وبعد ان لمس وزير العدل  مصطفى علي تدخل العسكريين من اصحاب النفوذ في شؤون وزاراته بما يخل في كرامته كوزير ويمس هيبة العدل والقضاء العراقي  ... وبعد ان يئس من تقديم النصيحة تلو الاخرى والمشورة من دون فائدة ترجى لصديق طفولته وصباه الزعيم قاسم رئيس الحكومة  ... اعلن مصطفى علي  عن استقالته مرفقة بكلمة ايضاحية محددا فيها اليوم الرابع عشر من ايار 1961 موعدا لاعتزاله ولزوم داره فقبلت استقالته بموجب المرسوم الجمهوري المرقم 239 في 14 ايار 1961 ،ليتفس الصعداء  بعدها ويعود لعالمه المفضل في القراءة والبحث والتاليف والتنقيب في ارث الرصافي الادبي والفكري ...استقالة الوزير مصطفى علي من وزارته كانت درساً وطنياً في ترجيح كفة مصالح الوطن وكرامته على المصالح الشخصية والنزعات الانانية للانسان على مدار التاريخ وتعاقب الدهور.
نص الاستقالة قراءة في نص الاستقالة التي قدمها كما وردت في مخطوطة مذكراته التي جمعها وحققها المحقق الراحل عبدالحميد الرشودي  تثبت الاحساس العالي بالمسؤولية والشعور الوطني الذي كان يتمتع به مصطفى علي  وحرصه على المال العام ،بالاضافة للملكة الادبية واللغوية البارعة كمؤرخ ادب وقاض سابق ولاهمية هذه الوثيقة وعمق دلالاتها نوردها كما هي في مذاكراته السالفة الذكر:
سيادة الزعيم عبدالكريم قاسم المحترم :
(( ثبت للاطباء ان صحتي تزداد سوءا كلما ارتفعت درجة الحرارة فنصحوني بضرورة الاخلاد للراحة التامة والاستقرار النفسي وترك العمل والتفكير الجديين لامد طويل ،واجابة لنصحهم عزمت على ان اقضي فصل الصيف في مصيف صلاح الدين ،وبالنظر لوجودي في العراق لا يمكن ان يقوم احد الزملاء بوكالة وزير العدل وهذا يكبد الخزينة نفقات كثيرة تنفقها على ارسال المعاملات للمصيف واعادتها ،او نفقات من ينقلها  من الموظفين اذا كانت من الامور السرية بالاضافة الى ان مواصلتي تخل بالراحة التامة التي ينصح بها الاطباء  من اجل ذلك التمس ان تتفضلوا باعفائي من الوزارة رعاية لصحتي التي صرت اشعر بها تتدهور يوما بعد اخر.
 انني في انتظار صدور المرسوم الجمهوري باعفائي الى اليوم الثالث عشر من هذا الشهر وفي صباح اليوم الرابع عشر ارجو الا تجدوا في انفسكم غضاضة اذا ما رايتموني قد اعتزلت العمل ...اتمنى.
للجمهورية العراقية الخالدة كل تقدم وتوفيق وازدهار)).
مصطفى علي
وزير العدل
 11حزيران 1961
الكاتب ومؤرخ الشعراء
ان كانت وزارة العدل وسلسلة الانجازات التي قدمها مصطفى علي محطة متألقة في سيرته ،فانه اشتهر كاديب وكاتب يعشق الثقافة واهلها  في جميع اطوار حياته ،ولذا لم يهتم  كثيرا بتدرجه الوظيفي كما عني بتدرجه الثقافي وتواصله المعرفي مع ابرز كتاب زمانه لاسيما في حقل الوطنية او الدفاع عن الفقراء والمحرومين ....فكانت الكتابة  لديه محطات استراحة وهدنة محارب يتفيأ بظلها من قرف الكواليس السياسية ونفاق بعض رجالاتها ،ونأى عن جفاف المرافعات القضائية واجواء محاكماتها .. وعرف باسلوبه الرشيق  ولغته البليغة والرفيعة حتى في مطالعاته القانونية  او مكاتباته  الحكومية والدليل نص استقالته السالفة .... ولان الصحافة كانت منبراً من منابر المعارضة في العهد الملكي انخرط في كتابات المقالات النارية المؤججة ضد الاستعمار وفساد العهد الملكي فاصدر مجلة الصحيفة مع صديقه حسين الرحال 1924 وجريدة المعول التي صدر عددها الاول والاخير في ايلول 1930 ولذا كانت مسيرته الصحفية متعثرة بسبب تعثر حريات التعبير عن الرأي ومناهضة الحكومات لكل رأي حر ومقال تنويري.
مسيرة متقطعة
ربما بسبب اعباء الوظيفة ومسؤولياتها والتي ارهقته واستنزفت قواه ، وربما بسبب مقعد الوزارة الذي تبوأه في ذروة الشباب والعطاء ،تعثرت مسيرة مصطفى علي التأليفية والكتابية ، برغم توقه للكتابة وانسجامها مع قابلياته ، لذا لم تظهر له في ميدان النشر والتاليف الا مؤلفات شحيحة ورسائل  متقطعة ومقالات منشورة متباعدة في مختلف عناوين  الصحف والمجلات الثقافية والمعرفية مختتما بالمصطفيات وهي اقرب للخواطر منها لادب السيرة . (نشأت ولي هيام بالادب وولع في تأريخه وشغف باللغة العربية وغرام في تتبع آثارها .ولو اسعفتني الايام واتتني الظروف لكان لي شأن في اللغة والادب اي شأن .وقد اكون انا المقصر لتخلفي عن مجاراة الاحوال )من مخطوطة على شفير الابدية لمصطفى علي مؤرخة في 10 ايار 1952
(لقد افنيت في الوظيفة ربيع عمري واخمدت جذوة الصحة والشباب ولو صرفتها فيما تهواه النفس ويميل اليه الطبع ،لاحتللت مقاما ادبيا مرموقا ولا ستطعت ان اقوم باجل خدمة لامتي وبلادي ،على انني على ذلك كله لم افّتر عن اهتبال الفرص ومواصلة الدراسات الادبية والتتبع اللغوي ولكنه جهد المتعب المكدود )من مذكرات مصطفى علي المخطوطة بتحقيق الراحل عبدالحميد الرشودي .
مؤرخ الشاعر الرصافي
جميع كتابات ومؤلفات مصطفى علي بكفة ،وما كتبه عن الشاعر والمفكر ورائد النهضة معروف الرصافي في كفة اخرى ،اذ ارتبط الرجلان بصداقة متينة واواصر محبة زادتها تقارب افكارهما في العدالة الاجتماعية والتعاطف مع طبقات المحرومين والفقراء التي ظهرت في اشعار الرصافي ومواقفه في مجلس الاعيان وتقاربهما الفكري ...فكانت تحقيقاته وتعليقاته على ادب الرصافي نوعا من مماهاة لافكاره هو كانسان ومفكر ، وادرك الرصافي نفسه عمق هذه العلاقة فاودع مخطوطاته وكتاباته لدى صديقه ومريده مصطفى علي الذي قدم له واهدى نفائس الرصافي  المخطوطة للمكتبة العراقية والعربية (كادب الرصافي 1947) ،،،و(الرصافي وصيته مؤلفاته) ،و(محاضرات عن معروف الرصافي 1935) ،كما قام بجمع خطب الرصافي التي القاها في مجلس النواب في الدورات التي مثل الامة فيها مستعينا بمحاضر جلسات المجلس النيابي المدونة . (لست ابغي من وراء ذلك الا ان اكون صادقا ما وسعني ان اكون فاجعل ما اكتبه مصدرا يركن اليه الباحثون ومعتمدا يعتمد عليه من يريد ان يدرس الرصافي ولا سيما  كتاب الاجيال الاتية حين يفرغون للدراسة والكتابة فيكتبون ولا يريدون بما يكتبون الا وجه العلم ولا يبتغون الا رعاية الادب )من مذكرات مصطفى علي المخطوطة .
(44) يوما في المعتقل
بعدما تعرض لتجربة اعتقال مهينة من قبل ازلام الحرس القومي الفاشي بوصفه احد رجالات حكومة قاسم ، مع الاف من رموز العراق الفكرية والثقافية والفنية وبعد ان قاس الويلات وتجرع المهانات على يد طغمة جاهلة لا تعرف للوطنية معنى وللانسانية سبيلا ....وبعد ان قضى اربعة واربعين يوما من الاعتقال في معتقلات الحرس الفاشي القومي والتي دونها في مخطوطة لكتيب مؤثر ومهم حمل عنوانه عدد هذه الايام العصيبة .لم يقترب في سنواته الاخيرة من السياسة ورجالها ،وانعكف صامتا في منزله يستقبل الثقاة من اصدقائه ومعارفه ،متفرغا للادب ومجالسه واهله  ،ملازما داره  الجديدة التي انتقل اليها في منطقة الحارثية لا يبرحها الا للضرورات القصوى او اداء الواجبات الاجتماعية ..
علاقته بالرشودي
المحقق والمؤرخ
في ايامه الاخيرة كانت صلته بالعالم الخارجي  هي تلك الصادقة الروحية العميقة التي ربطته بالمؤرخ والموسوعي عبدالحميد الرشودي  الذي ائتمنه على ما تبقى لديه من مخطوطات وابحاث ودراسات لم تسعفه الصحة وتقدم العمر باكمالها او تمام انجازها .وكان الرشودي خير امين على تراث ومخطوطات صاحبه الاديب والوزير والقاضي ..
وكان صلته الثانية بالعالم الخارجي  بعد صاحبه الرشودي  مجلسه الاسبوعي الذي يعقد صباح كل جمعة اذ كان تقصده النخب الثقافية  والوجوه الاكاديمية ونجوم المجتمع الفكري ...وظل هذا المجلس عامرا بجلساته حتى يوم وفاته.
وفاته
اصيب مصطفى علي ضحى السبت 1 اذار 1980 بنوبة قلبية نقل على اثرها الى مستشفى الكرامة وهناك فارق الحياة في مساء الرابع من اذار 1980 ودفن في مقابر الغزالي ببغداد وشُيع باحسن تشييع من قبل محبيه واصدقائه ومن ادركوا سيرته الوطنية وقدروها حق قدرها ..
غاب مصطفى علي عن مسرح الحياة بعد ان ترك في  ملفاته الوظيفية ومخطوطاته  الادبية سيرة تتعطر بنزاهة الوظيفة وعفتها ومسار الوطنية ووهجها والانجاز الادبي وروعته ...
رحل مصطفى علي بعد ان سعت وحاولت  السلطات  المتعاقبة لمحو ذكراه  ووضعه في خانة النسيان لئلا يتعظ قارئو سيرته  ويستقون منها دروسا في الاحتجاج والعدالة والوطنية  غير المرغوب فيها بالنسبة لتلك السلطات التي تتحاشى رموز التنوير والوطنية من امثال مصطفى علي  ...تمس وجود  ومصالح هذه السلطات ..رحل مصطفى علي  جسدا وظل خالدا في ذاكرة التاريخ العراقي ومحطاته الوطنية وقائمة رموزه النهضوية والتنويرية.

تم تصميم الموقع من قبل شركة الوصول لتكنلوجيا المعلومات